شهادة للتاريخ!

 ما حدث بالضبط تجد كلمات "الحاج محمود سعيد نعامنة، تعبر عنه أصدق تعبير فهو أحد شهود العيان الذي رأى وشاهد وسمع وعاش وضرب واغتصبت أرضه من تحت أقدامه وعن تلك الإحداث يروي لنا الحاج محمود - رئيس مجلس قرية عرابة "البطوف" في الداخل الفلسطيني المحتل، قائلا:

 

"في ساعات الصباح الأولى وبينما الناس نيام والقرية يلفها الهدوء التام، خرجت إلى شوارع القرية الوادعة المطمئنة، وإذا بصوت يتهادى إلى مسامعي من بعيد، وكان ذلك الصوت عن طريق مكبر الصوت، وظننت أنه صادر من القرية ذاتها فتوجهت إلى مصدره لكي أسكته، وما كدت اقترب منه حتى شاهدت سيارات الشرطة وورائها المجنزرات تختلس الليل وتقطع السكون كعادتها، وتحدث ضجيجا هائلا في شوارع القرية وكبر الصوت ينادي (يا أهالي عرابة البطوف انتبهوا، انتبهوا، انتبهوا ممنوع التجول) وكل من يفتح بيته ليسمع ما يقال كانوا ينهالون عليه بالضرب".

 

وبتابع نعامنه حديثه:" منع التجول آنذاك وحسب قانون الطوارئ لعام 1945، كان الجيش يفترضه من الساعة الواحدة ليلا وحتى الساعة العاشرة مساء، ويقضي الأمر بعدم مغادرة المواطن بيته في حدود الساعات المذكورة، بأمر من "رفائيل ايتان "قائد منطقة الشمال العسكري.

 

شرارة البدء

ويضيف نعامنة" في ظل الإهانات التي كان اليهود يوزعونها جزافا، وكان الضرب والتعذيب نصيب لجزء كبير من سكان قريتنا، واشتبكت قوة كبيرة من الجيش مع كثير من المواطنين دون أدنى ذنب يقترفه المواطن سوى انه في ساحة بيته.

 

 وفي حوالي الساعة التاسعة صباح يوم 30مارس عام 1976، تناهى إلى مسامع السكان مقتل الشاب خير ياسين، فخرج الناس إلى الشوارع واختلط الحابل بالنابل، وفقدت قوات الأمن سيطرتها على الوضع.

 

 وبعد ذلك طلب مني الجيش أن أتوجه إلى مدخل القرية لأقابل هناك رفائيل ايتان، والذي أمهلني ساعتين لأحافظ على الهدوء ليخرج من القرية، وبالفعل خرج الجيش من القرية وانسحبت قوات الاحتلال، وذهبت لأرى ما خلفه الاحتلال في يوم وليلة، وكانت النتيجة أن هناك ثمانية جرحى، بينهم طالب في الثانية عشرة من عمره وكان نصيبه أربع رصاصات في جسمه، واستشهاد الشاب خير ياسين 23 عاما، وخراب أثاث ثلاثة بيوت خرابا مدمرا، وأربعون معتقلا اسقوهم مر العذاب، وخسائر أخرى، وعندما قدمنا طلبا إلى رئيس الحكومة لإنشاء لجان تحقيق، كان الرد أنه لا حاجة لإقامة لجان تحقيق. ويختم نعامنه شهادته أن ما حدث في الثلاثين من مارس لا يشرف حكومة إسرائيل".

 

هكذا سرقت الأرض الفلسطينية، خلسة وفي عتم الليل، لكن الحق لن يضيع، والذي سلب غصبا، سيعود بإرادة هذا الشعب، مهما كلف الثمن، وهذا التاريخ يشهد...