منذ صرخة ميلادي الأولى.. وبينما كنت طفلا لا زلت لا أعرف للطريق طريق ولا أعرف للأماكن اتجاهات.. عشت بين الناس البسطاء في منطقة باب الخلق.. تحديدا في شارع الاستئناف.. كنت وأنا في المرحلة الابتدائية أي لم أبلغ الثانية عشرة بعد أصادق كبار السن، فلم أكن أميل كثيرا إلى مصادقة الأطفال في مثل سني، ولا تحسبونني مغرورا فأنا إنسان بسيط ، لكني حينما كنت أجلس مع رجل كبير أتعلم وأشعر أن عمري يتقدم بشكل كبير هذا طبعا قديما، أما الآن فأتمنى أن يعود الدهر بي سنينا وأعمارا لأعود طفل غير متحمل مسؤولية شيء وليس في عقله وجعبة تفكيره سوى بعض الألعاب البريئة مثل الحصان الخشبي والعجلة التي كنت أقوم بتأجيرها.
أنا والإسكافي
أتذكر أن رجلا كبيرا في السن كان يعمل "إسكافيا" في شارعنا، كان هذا الرجل ويدعى "عم حمزة" من أكثر أصدقائي، وأدين له بالفضل في أنه علمني الحياة وحفر في وجداني مبادئ وقيم وأخلاقيات عجزت الدراسة أن تخطهم بداخلي، فقد شدّد على أذني وهو يقول لا تخضع للمادة اتركها هي التي تخضع لك لكن أسعى لجلبها دون تنازلات لأن القرش الأبيض ينفع في اليوم الأسود وعلى حد كلامه فالزمن غير مضمون.
كان هذا الرجل يحدثني عن الفساد وكنت وقتها لا أعلم عنه شيء، كان كل ما يدور في ذهني أنه يعنى أن الطفل لا يذاكر أو لا يقوم بعمل واجباته المدرسية بشكل جيد، لكني لم أكن أعلم انه يقصد الفساد الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.
نعم أعترف أن الكثير من الكلمات كانت تسقط مني رغما عني لكن كان إجمالي ما يريد إيصاله لي أعيه وأفهمه جيدا، ومن كثرة إطلاعاتى الفكرية على الكثير من الكتب الثقافية أصبح عقلي أكثر فهما ونضجا وتفكيرا لكل ما حولي من بني أدمين وأشباه بني أدمين أيضا.
مشهد في الذاكرة
ولا أنس العام المشؤوم 1956 عندما كنت أرى الأعداء في شارعنا منتشرون وينظرون إلينا باستهزاء كما لو كنا قمنا بتذبيحهم، ولا أعرف لماذا فجأة انتابني شعور إنني أرغب أن أكون "زبالا" ودعيت الله في صلاتي أن أعمل في هذه المهنة لكي أمسك "مقشة" وأقوم بكنس كل هؤلاء الأعداء ليس في شارعنا فقط بل في كل شوارع مصر المحروسة.
شعور بالراحة
باختصار.. في شارع الاستئناف حياة ومشوار وجيران وعِشرة عُمر، ورغم سكني الآن بحي جاردن سيتي إلا أنني كثيرا ما أزور شارعنا فأشعر بالارتياح النفسي، فلا أعرف لماذا حينما أمر عليه ينتابني شعور بالراحة، وإن كان الأمر بيدي لاخترت الاستمرار بالعيش فيه لكن ماذا أقول لأولادي الراغبين في العيش بحي راقي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* تجربة ذاتية للإعلامي المصري (محمود سعد).








بسيط محبوب ابن بلد من الدرجة الاولى ومحاور كبييييرو صاحب حضور عالي
بجد اعلامي رائع
وانا من اكثر المعجبين بيه