الرئيسية ولاد البلد حته من بلدي محمود سعد..عشرة عمر مع الاستئناف


محمود سعد..عشرة عمر مع الاستئناف

أرسل لصديقك طباعة
(1 تصويت)
mahmoud_sad_waladelbalad02منذ صرخة ميلادي الأولى.. وبينما كنت طفلا لا زلت لا أعرف للطريق طريق ولا أعرف للأماكن اتجاهات.. عشت بين الناس البسطاء في منطقة باب الخلق.. تحديدا في شارع الاستئناف..

كنت وأنا في المرحلة الابتدائية أي لم أبلغ الثانية عشرة بعد أصادق كبار السن، فلم أكن أميل كثيرا إلى مصادقة الأطفال في مثل سني، ولا تحسبونني مغرورا فأنا إنسان بسيط ، لكني حينما كنت أجلس مع رجل كبير أتعلم وأشعر أن عمري يتقدم بشكل كبير هذا طبعا قديما، أما الآن فأتمنى أن يعود الدهر بي سنينا وأعمارا لأعود طفل غير متحمل مسؤولية شيء وليس في عقله وجعبة تفكيره سوى بعض الألعاب البريئة مثل الحصان الخشبي والعجلة التي كنت أقوم بتأجيرها.

أنا والإسكافي

الحياة وفهمها بالتأكيد استغرق مني وقتا كبيرا ولكن مصادقة الكبار كما أشرت لخصت العام في شهر، فعرفت الناس ونفوسهم وطبائعهم، لا أدعى بالطبع العلم الكامل للبشر فالكمال لله وحده، ولكن إلى حد كبير استطعت الخوض في نفوسهم، فمن أهلي وجيراني وأصدقاء طفولتي وشبابي ومن كل إنسان تعاملت معه تعلمت شيئا وأصبحت بعد أن كنت جاهلا علاّمة في فهم نفوس البشر..

أتذكر أن رجلا كبيرا في السن كان يعمل "إسكافيا" في شارعنا، كان هذا الرجل ويدعى "عم حمزة" من أكثر أصدقائي، وأدين له بالفضل في أنه علمني الحياة وحفر في وجداني مبادئ وقيم وأخلاقيات عجزت الدراسة أن تخطهم بداخلي، فقد شدّد على أذني وهو يقول لا تخضع للمادة اتركها هي التي تخضع لك لكن أسعى لجلبها دون تنازلات لأن القرش الأبيض ينفع في اليوم الأسود وعلى حد كلامه فالزمن غير مضمون.

كان هذا الرجل يحدثني عن الفساد وكنت وقتها لا أعلم عنه شيء، كان كل ما يدور في ذهني أنه يعنى أن الطفل لا يذاكر أو لا يقوم بعمل واجباته المدرسية بشكل جيد، لكني لم أكن أعلم انه يقصد الفساد الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.

نعم أعترف أن الكثير من الكلمات كانت تسقط مني رغما عني لكن كان إجمالي ما يريد إيصاله لي أعيه وأفهمه جيدا، ومن كثرة إطلاعاتى الفكرية على الكثير من الكتب الثقافية أصبح عقلي أكثر فهما ونضجا وتفكيرا لكل ما حولي من بني أدمين وأشباه بني أدمين أيضا.

مشهد في الذاكرة

كان أكثر مشهد مؤثر في حياتي حتى الآن حينما كنت أقف في البلكونة من وراء الزجاج الأزرق حتى لا يرى الأعداء في حرب الاستنزاف الضوء المنبعث من شرفتنا.

ولا أنس العام المشؤوم 1956 عندما كنت أرى الأعداء في شارعنا منتشرون وينظرون إلينا باستهزاء كما لو كنا قمنا بتذبيحهم، ولا أعرف لماذا فجأة انتابني شعور إنني أرغب أن أكون "زبالا" ودعيت الله في صلاتي أن أعمل في هذه المهنة لكي أمسك "مقشة" وأقوم بكنس كل هؤلاء الأعداء ليس في شارعنا فقط بل في كل شوارع مصر المحروسة.

شعور بالراحة

كل ما أرغب في قولة أن شارع الاستئناف امتلأ بالذكريات معي فكنا نسكن في بيت جدتي لأمي -رحمها الله وأسكنها فسيح جناته-  كانت تحبني وحينما كنت أنزل إلى الشارع تظل واقفة في البلكونة وتُملي عليّ نصائحها قائلة: "واد يا حوده خلي بالك من الطريق والعربيات" والغريب أن شارعنا من الأساس لم يكن به أي سيارات!.

باختصار.. في شارع الاستئناف حياة ومشوار وجيران وعِشرة عُمر، ورغم سكني الآن بحي جاردن سيتي إلا أنني كثيرا ما أزور شارعنا فأشعر بالارتياح النفسي، فلا أعرف لماذا حينما أمر عليه ينتابني شعور بالراحة، وإن كان الأمر بيدي لاخترت الاستمرار بالعيش فيه لكن ماذا أقول لأولادي الراغبين في العيش بحي راقي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* تجربة ذاتية للإعلامي المصري (محمود سعد).

 

التعليقات 

 
0 (4) هناء سعده 2009-10-26 / 06:33
لما بأشوفه سواء ساكت أو بيتكلم بحس إنى عرفاه
اقتباس | ابلغ عن اساءه
 
 
0 (3) محمد هاني 2009-08-08 / 04:12
أكثر من ينقل نبض الشارع
بسيط محبوب ابن بلد من الدرجة الاولى ومحاور كبييييرو صاحب حضور عالي
بجد اعلامي رائع
وانا من اكثر المعجبين بيه
اقتباس | ابلغ عن اساءه
 
 
0 (2) سعيد الصحفي 2009-07-06 / 04:03
هايل حقيقي المقال ده
اقتباس | ابلغ عن اساءه
 
 
0 (1) محمد كريم 2009-07-05 / 00:01
محمود سعد كاتب جرئي ويا ريت نحاول نتعلم منه
اقتباس | ابلغ عن اساءه
 
الإعلانات
الثلاثاء 16 / مارس / 2010
حجم الخط
  • كبر حجم الخط
  • حجم الخط متوسط
  • صغر حجم الخط
الإعلانات
الإعلانات